
قبيل ساعاتٍ من انتهاء مهلة الأسبوعين التي بدأت مع دخول وقف إطلاق النار المؤقت حيّز التنفيذ في السابع من نيسان/ أبريل الجاري، يبدو انعقاد جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في باكستان معلّقاً ومعقّداً. وفي ظلّ تصاعد التوتر على خلفية تأخّر انطلاق تلك الجولة، يدور الحديث عن ثلاثة سيناريوات محتملة خلال الساعات المقبلة: إعلان الجانب الإيراني إرسال وفدٍ للتفاوض في باكستان صباح اليوم – علماً أنه أعلن مساء أنه لا نية لإرسال هذا الوفد -، أو تمديد وقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة، أو العودة إلى الحرب بين الطرفَين إذا ما فشل الوسطاء في حلّ الخلاف القائم.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»، أمس، إنه لا يريد تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، وإنه «ليس لدينا متّسعٌ من الوقت»، مضيفاً أن «الولايات المتحدة في موقع تفاوضي قوي»، وأنها ستتوصّل في نهاية المطاف إلى ما وصفه بـ«اتفاق رائع». وجاءت هذه التصريحات بعد وقتٍ قصير من منشورٍ قال فيه إن «إيران انتهكت وقف إطلاق النار مرّات عديدة».
وفي إثر تصريحات ترامب، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول أميركي قوله إنه تمّ تعليق رحلة نائب الرئيس، جي دي فانس، إلى إسلام آباد، والتي كانت مقرّرة اليوم، وأن «العملية الدبلوماسية متوقّفة فعلياً في ظلّ غياب ردٍّ من إيران، فيما لم تُلغَ الرحلة نهائياً بعد». كما أفادت الصحيفة نفسها، نقلاً عن مسؤول أميركي، بأن تعليق رحلة فانس جاء بعد «فشل إيران في الردّ على المواقف التفاوضية الأميركية»، وأن استئنافها مشروطٌ بردّ إيراني «مقبول»، وبإشارة تؤكد «منح المفاوضين الإيرانيين كامل الصلاحيات». وأضاف المسؤول أن نقاط الخلاف مع إيران «هي نفسها التي عرقلت المفاوضات معها لأكثر من عقد، وفي مقدّمها نطاق برنامج التخصيب ومصير اليورانيوم المخزّن»، كاشفاً أن «الولايات المتحدة أرسلت أخيراً مقترحاً مكتوباً إلى الإيرانيين». وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، نقلاً عن مسؤول في «البيت الأبيض»، أن تأخّر سفر فانس إلى باكستان يعود إلى «اجتماعات سياسية إضافية»، فيما قالت شبكة «سي إن إن» إن مغادرته إلى باكستان عُلّقت مؤقتاً، وإن الاجتماعات لا تزال مستمرة لمناقشة الخطوات المقبلة.
مساعٍ باكستانية مستمرّة لتمديد وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات
وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن أيّ وفدٍ من إيران لم يغادر حتى الآن إلى باكستان لحضور محادثات السلام مع الولايات المتحدة. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، بدورها، أن إيران أبلغت الوسطاء أنها سترسل وفداً إلى باكستان «فقط إذا رفعت الولايات المتحدة الحصار البحري». كما جدّد رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض، محمد باقر قاليباف، في منشورٍ على منصة «إكس» أمس، التأكيد أن بلاده «لن تقبل التفاوض تحت التهديد»، معتبراً أن ترامب، «عبر فرض الحصار وخرق وقف إطلاق النار، يريد، بحسب ظنّه، تحويل طاولة المفاوضات إلى طاولة استسلام أو تبرير إعادة إشعال الحرب». وجزم قاليباف أن إيران لن تقبل التفاوض تحت التهديد، مشيراً إلى أنها استعدّت خلال الأسبوعين الماضيين لـ«الكشف عن أوراق جديدة» في ميدان المواجهة.
وفي الاتجاه نفسه، أكد السفير الإيراني في إسلام آباد، أمير رضا مقدم، أمس، في منشورٍ على «إكس»، أن إيران «صاحبة حضارة كبيرة ولن تتفاوض تحت التهديد والإكراه»، مضيفاً: «ليت الولايات المتحدة الأميركية أدركت ذلك». ولفت وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بدوره، إلى أن «حصار الموانئ الإيرانية عمل حربي وانتهاك لوقف إطلاق النار»، متابعاً أن «استهداف سفينة تجارية واحتجاز طاقمها يشكّلان انتهاكاً أكبر لهذا الوقف». كما أكد مندوب إيران لدى «الأمم المتحدة» أن كسر الحصار الأميركي على الموانئ «شرط أساسي للمفاوضات».
أما في إسلام آباد، فنقلت وكالة «أسوشيتد برس» عن مسؤولين باكستانيين أن بلادهم منخرطةٌ في جهود وساطةٍ مكثّفة لـ«ضمان انعقاد جولة محادثات جديدة بين طهران وواشنطن»، وأن «التفاؤل لا يزال قائماً لديها رغم تأخّر إيران في إرسال وفدها». لكن الوكالة نفسها ذكرت، نقلاً عن مسؤول أميركي، أنه «لا يمكن التنبّؤ بما سيحدث إذا انتهى وقف إطلاق النار من دون عقد اجتماع في إسلام آباد». وأشار المسؤول إلى أن «ترامب يملك خيارات أخرى لا تصل إلى حدّ استئناف الضربات الجوية على إيران».
وفي تل أبيب، شدد رئيس الأركان، إيال زامير، على أنه «لا يجوز التنازل للإيرانيين في المفاوضات، إنهم يلعبون بأوراق لا يملكونها، وهم في نقطة ضعف»، مضيفاً أنه «لا يجوز التنازل عن إخراج اليورانيوم ووقف المشروع النووي». وكانت قناة «كان» نقلت عن مصدر أمني رفيع أن التقديرات ترجّح «عدم التوصّل إلى تفاهمات». وأكد المصدر أن «المؤسسة الأمنية جاهزةٌ لاندلاع الحرب فوراً، فيما رفع الجيش الإسرائيلي حال التأهّب إلى الدرجة القصوى في مختلف الأذرع استعداداً لسيناريوات هجومية».
ويأتي التلويح الإسرائيلي بالعودة إلى الحرب في وقت كشفت فيه شبكة «سي إن إن»، نقلاً عن مصادر ومسؤولين، أن «الجيش الأميركي استنزف بصورةٍ كبيرة مخزونه من الصواريخ الرئيسة خلال الحرب مع إيران»، موضحةً أنه «استهلك نصف مخزون صواريخ الضربات الدقيقة وصواريخ ثاد وباتريوت»، إضافةً إلى «ثلث مخزون صواريخ توماهوك و20 في المئة من صواريخ كروز بعيدة المدى». وبحسب الشبكة، فإن «استنزاف هذه المخزونات رفع خطر احتمال نفاد الذخائر إذا ما اندلعت حربٌ خلال سنواتٍ قليلة».
وفي ظلّ حال عدم اليقين المحيطة بمصير الهدنة والمفاوضات، استمرّ الوضع في مضيق هرمز على حاله؛ إذ أفادت هيئة عمليات «البحرية البريطانية»، في بيانٍ حول الحركة البحرية خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، بأن «المضيق يقع تحت السيطرة الإيرانية الكاملة»، وأن «حركة السفن فيه انخفضت بصورة حادّة ولا يزال الوضع على حاله، فيما بقيت حركة الملاحة في مياه عُمان مستقرّة، ولم يتغيّر الازدحام في الموانئ، بل استمرّ في الانخفاض». كذلك، ارتفع سعر برميل النفط على وقع تعقّد المفاوضات واقتراب انتهاء الهدنة، ليبلغ ما يقرب من 100 دولار للبرميل الواحد.



